محمد بن علي الشوكاني

445

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

هو الظاهر ، لأن أقرب اللفظين هو المرجع في الغالب ، ويتعين المصير إليه عن الاشتباه ، ولا سيما إذا استلزم الإرجاع [ الضمير ] ( 1 ) إلى البعيد لازما فاسدا . وهذا لا ينبغي أن يعد تأويلا بل هو الظاهر . والمراد أن الله - جل جلاله - أخبر عباده على لسان نبيه أنه خلق آدم على الصورة التي رأوه عليها بلا زيادة ولا نقصان ، كما هو الغالب في الخلق ، فإنهم يزيدون في أوائل العمر ، وينقصون في أواخره . وأما ما روي من أنه خلق آدم على صورة الرحمن ( 2 ) ، فالمراد ( 3 ) أنه خلق آدم على

--> ( 1 ) زيادة من [ ب ] . ( 2 ) أخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " رقم ( 517 ) بإسناد ضعيف ورجاله ثقات غير ابن لهيعة فإنه سئ الحفظ . ولكن الحافظ ابن حجر والإمام أحمد وإسحاق ابن راهويه صححوا هذه الرواية وضعفها ابن خزيمة والمازري والقرطبي والمحدث الألباني . . أخرج ابن أبي عاصم في " السنة " رقم ( 518 ) عن ابن عمر قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا تقبحوا الوجوه ؛ فإن الله عز وجل خلق آدم على صورته " . وهو حديث صحيح . . وأخرج ابن أبي عاصم في " السنة " رقم ( 519 ) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ولا وجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته " . وإسناده حسن . ( 3 ) على ما تقدم نقول : بيان أن إعادة الضمير في حديث " خلق الله آدم على صورته " على غير الله هو قول الجهمية كما قال الإمام أحمد وفي ذلك رد على جميع التأويلات التي ذكرها الحافظ من أقوال الذين جعلوا الضمير عائدا على آدم ، أو على المضروب أو على المقول له فإن هذه الأقوال مخالفة لما ذهب إليه جمهور السلف من أن الضمير فيه عائد على الله عز وجل . . قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله في " نقض التأسيس " ( 3 / 202 ) - وما بعدها " لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير في هذا الحديث عائد إلى الله تعالى ، فإنه مستفيض من طرق متعددة ، عن عدد من الصحابة وسياق الأحاديث كلها تدل على ذلك . . . إلى أن قال : " ولكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائدا إلى غير الله تعالى حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم ، كأبي ثور ، وابن خزيمة ، وأبي الشيخ الأصبهاني وغيرهم ، ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة " .